عبد الله بن أحمد النسفي

146

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 174 إلى 176 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 176 ) النبي عليه السّلام وأخذهم على ذلك الرّشا . 174 - إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ في صفة محمد عليه السّلام وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي عوضا أو ذا ثمن أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ملء بطونهم ، تقول : أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه إِلَّا النَّارَ لأنّه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة « 1 » ، فكأنّه أكل النار . ومنه قولهم أكل فلان الدم إذا أكل الدّية التي هي بدل منه قال : * يأكلن كلّ ليلة إكافا * أي ثمن الإكاف « 2 » فسماه إكافا لتلبسه به بكونه ثمنا له ، وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلاما يسرّهم ولكن بنحو قوله : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ « 3 » وَلا يُزَكِّيهِمْ ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم ، أو لا يثني عليهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم . فحرف النفي مع الفعل خبر أولئك ، وأولئك مع خبره خبر إن ، والجمل الثلاث معطوفة على خبر إن ، فقد صار لإنّ أربعة أخبار من الجمل . 175 - أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ بكتمان نعت محمد عليه السّلام فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فأيّ شيء صبّرهم « 4 » على عمل يؤدي إلى النار . وهذا استفهام معناه التوبيخ . 176 - ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أي ذلك العذاب بسبب أنّ اللّه نزّل ما نزّل من الكتب بالحقّ ، وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا أي أهل الكتاب فِي الْكِتابِ هو للجنس أي في كتب اللّه فقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل لَفِي شِقاقٍ خلاف بَعِيدٍ عن الحقّ ، أو كفرهم ذلك بسبب أنّ اللّه نزّل القرآن بالحقّ كما يعلمون ، وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شقاق بعيد عن الهدى .

--> ( 1 ) زاد في ( ز ) عليه . ( 2 ) في ( ز ) إكاف ، والإكاف : الحمار ، وهذا عجز بيت صدره : إن لنا أحمرة عجافا . ( 3 ) المؤمنون ، 23 / 108 . ( 4 ) في ( ز ) أصبرهم .